سعيد حوي
280
الأساس في التفسير
الْمُشْرِكِينَ أي قالت اليهود : كونوا يهودا تهتدوا ، وقالت النصارى : كونوا نصارى تهتدوا ، والجواب قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً الحنيف : هو المائل عن كل دين باطل إلى الدين الحق ، وقد رأينا في الفقرة السابقة أن ملة إبراهيم هي الإسلام ، فالاستسلام لله واتباع هداه هو الهدى لا دعاواهم وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بل من الموحدين ، هذا تعريض بأهل الكتاب وغيرهم ، لأن كلا منهم يدعي اتباع ملة إبراهيم وهو على الشرك ، بينت الآية أن الهداية في الاستسلام لله وعدم الشرك به ، وبدون ذلك فلا هداية ، وهؤلاء وهؤلاء ليسوا مسلمين وليسوا موحدين ، فأنى يكونون مهتدين ، وكيف يزعمون أن الهداية عندهم ويدعون إليها ، روى محمد بن إسحاق عن ابن عباس قال : قال عبد الله بن صوريا الأعور لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ما الهدى إلا ما نحن عليه فاتبعنا تهتد . وقالت النصارى مثل ذلك ، فأنزل الله وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا . . . قال قتادة : « الحنيفية : شهادة أن لا إله إلا الله ، يدخل فيها تحريم الأمهات ، والبنات ، والخالات ، والعمات ، وما حرم الله - عزّ وجل - والختان » أقول : الحنيفية : هي موافقة الفطرة بالتوحيد ، وترك ما نهى الله عنه ، وفعل ما أمر به ، ذلك مقتضى العهد الأول . كلمة في السياق : في هذه الآية الأولى من هذه الفقرة جاء الرد على زعم اليهود والنصارى ، أن الهدى عندهم فجاء الرد عليهم : بأن الهداية في ملة إبراهيم ، واستكمالا للرد واستكمالا لإقامة الحجة ، يأمر الله هذه الأمة أن تعلن إيمانها بكل هدى أنزله الله ، من لدن إبراهيم إلى محمد صلى الله عليه وسلم إلى ما قبل ذلك ، وأن تعلن استسلامها لله عزّ وجل ، تلك هي الهداية الكاملة لا مزاعم اليهود والنصارى . قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا الخطاب للمؤمنين ، وما أنزل إلينا هو القرآن وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ السبط : هو الحفيد والأسباط : هم حفدة يعقوب ذراري أبنائه الاثني عشر . قال البخاري : الأسباط : قبائل بني إسرائيل وهذا يقتضي أن المراد بالأسباط هاهنا شعوب بني إسرائيل ، ونحن مأمورون بأن نؤمن بالوحي الذي أنزل على أنبيائهم وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى أوتي موسى التوراة ؛ فنحن نؤمن بذلك ، وأوتي عيسى الإنجيل ؛ فنحن نؤمن بذلك ، أخرج ابن أبي حاتم . . عن معقل بن يسار قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « آمنوا بالتوراة والإنجيل وليسعكم القرآن » وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ أرشد الله عباده المؤمنين إلى الإيمان بما أنزل إليهم